العمل النسوي تحت الضغط.. منظمات حقوقية ومدنية تحذر من تراجع الحريات في تونس
العمل النسوي تحت الضغط.. منظمات حقوقية ومدنية تحذر من تراجع الحريات في تونس
أثار توقيف ناشطات تونسيات خلال الأيام الأخيرة موجة واسعة من التنديد في الأوساط الحقوقية والمدنية، وسط تحذيرات من تصاعد القيود المفروضة على حرية التعبير والعمل المدني في البلاد، وجاءت هذه التطورات بعد إيقاف الناشطتين سناء مساهلي وجواهر شنة على خلفية مشاركتهما في تنظيم وقفات تضامنية داعمة للقضية الفلسطينية ضمن ما عُرف بـ"قافلة الصمود"، وهو ما دفع عدداً من الجمعيات والمنظمات الحقوقية إلى إصدار بيانات تضامن ومطالبة بالإفراج عنهما.
وقالت منظمات نسوية وحقوقية إن توقيف الناشطتين يأتي في سياق تضييق متزايد على النشاط المدني في تونس، معتبرة أن الملاحقات القضائية والاعتقالات تستهدف إسكات الأصوات النسوية والحقوقية وترهيب الناشطات، وأشارت هذه المنظمات إلى أن الإيقاف تزامن مع اليوم العالمي للمرأة، وهو ما اعتبرته دليلاً على التناقض بين الاحتفاء الرسمي بحقوق النساء والواقع الذي تواجهه الناشطات المدافعات عن هذه الحقوق.
مخاوف بشأن المجتمع المدني
وفي هذا السياق، أكدت منظمة "بوصلة" في بيان لها يوم الاثنين أن إيقاف جواهر شنة وسناء مساهلي يضاف إلى قائمة النساء الموقوفات أو الملاحقات بسبب نشاطهن المدني أو مواقفهن السياسية في تونس، وذكرت المنظمة أسماء عدد من الشخصيات النسوية والسياسية اللواتي تعرضن لملاحقات أو توقيفات خلال السنوات الأخيرة، منهن سعيدة مصباح وشيماء عيسى وسلوى غريسة وعبير موسي، معتبرة أن هذه الحالات تعكس اتجاهاً متنامياً لتقييد الفضاء المدني المستقل في البلاد.
وأضافت المنظمة أن هذه الملاحقات تأتي امتداداً لسلسلة من التضييقات التي طالت في وقت سابق عدداً من المنظمات النسوية، مثل منظمة "أصوات نساء" والجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، واعتبر البيان أن هذه الإجراءات تتماشى مع خطاب رسمي يسعى إلى الحد من الفضاءات المستقلة وتجريم قيم التضامن المدني والإنساني، ما يثير مخاوف بشأن مستقبل المجتمع المدني في تونس.
أصوات النساء في المجال العام
وفي السياق ذاته، قالت منظمة "محامون بلا حدود" إن اليوم العالمي للمرأة يأتي هذا العام في تونس في ظل ظروف صعبة تواجهها العديد من الناشطات والصحفيات والسياسيات والمدافعات عن حقوق الإنسان، وأوضحت المنظمة أن عدداً منهن يُحيين هذه المناسبة خلف القضبان أو يواجهن ملاحقات قضائية بسبب نشاطهن السياسي أو الحقوقي، معتبرة أن هذه الإجراءات تمثل حملة قمع ممنهجة تستهدف أصوات النساء في المجال العام.
وأضافت المنظمة أن السلطات تستخدم مجموعة من القوانين التي وصفتها بالتعسفية لملاحقة الناشطات بشكل انتقائي، وهو ما يؤدي إلى تحويل حرية التعبير والعمل المدني إلى أفعال قد تجرّم قانونياً، وذكرت أن هذه السياسات تجعل النساء الناشطات عرضة للملاحقة القضائية والتشهير والعزل الاجتماعي، ما قد يدفع كثيرات منهن إلى الابتعاد عن العمل العام أو النشاط السياسي.
ملاحقات وضغوط
بدورها، أشارت جمعية "تقاطع من أجل الحقوق والحريات" إلى أن المناخ الحالي في تونس لا يقتصر على الاعتقالات، بل يشمل أيضاً ملاحقات قضائية وضغوطاً سياسية وأمنية متواصلة، وأوضحت الجمعية أن عدداً من المدافعات عن حقوق الإنسان يواجهن تهديدات دائمة أو يضطررن إلى مغادرة البلاد نتيجة هذه الضغوط، داعية إلى الإفراج عن جميع المعتقلات بسبب نشاطهن المدني أو السياسي وضمان حقهن في محاكمات عادلة.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن تونس شهدت خلال السنوات الأخيرة تراجعاً في مؤشرات الحريات العامة، فقد أفادت منظمة "فريدوم هاوس" في تقريرها لعام 2025 بأن تصنيف تونس من حيث الحرية السياسية وحرية التعبير شهد تراجعاً ملحوظاً مقارنة بالسنوات التي أعقبت ثورة 2011، في ظل تصاعد القيود على المعارضة والمجتمع المدني والإعلام.
كما سجلت منظمات حقوقية دولية ارتفاعاً في عدد القضايا المرفوعة ضد ناشطين سياسيين وصحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان في تونس خلال السنوات الأخيرة، وتشير تقارير منظمة العفو الدولية إلى أن السلطات استخدمت في بعض الحالات قوانين تتعلق بالأمن أو الجرائم الإلكترونية لملاحقة منتقدين للحكومة أو ناشطين في المجتمع المدني.
شهادات نسوية
وفي هذا السياق، قالت الناشطة النسوية نزيهة دمق في تصريحات صحفية إن حرية التعبير والعمل الجمعياتي يمثلان ركيزتين أساسيتين لأي نظام ديمقراطي، مؤكدة أن الأفكار لا يمكن إلغاؤها عبر منع التعبير عنها، وأشارت إلى أن المجتمع المدني في تونس لعب دوراً مهماً بعد ثورة 2011 في الدفع نحو إصلاحات قانونية وتعزيز الحريات العامة، ومنها حرية التظاهر والتنظيم.
وأضافت دمق أن المجتمع المدني كان أحد أبرز الفاعلين في الحياة العامة خلال السنوات التي أعقبت الثورة، حيث أسهمت الجمعيات والمنظمات الحقوقية في الضغط من أجل تعديل عدد من القوانين وتعزيز حقوق الإنسان. وأكدت أن غياب هذا الدور قد يؤدي إلى تراجع المكتسبات الديمقراطية التي تحققت خلال العقد الماضي.
من جانبها، أكدت صبرية فريخة، رئيسة فرع صفاقس للجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، أن العمل الجمعياتي في تونس شهد توسعاً كبيراً بعد عام 2011، حيث ارتفع عدد الجمعيات إلى أكثر من 24 ألف جمعية تعمل في مجالات متعددة تشمل الدفاع عن حقوق الإنسان والتنمية الاجتماعية ومراقبة السياسات العامة.
وأوضحت فريخة في تصريحات صحفية أن هذا النشاط المدني أسهم في رفع الوعي الحقوقي وتعزيز المشاركة المجتمعية في الشأن العام، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت زيادة في الضغوط المفروضة على العمل الجمعياتي، ومنها محاولات تجريمه أو التضييق عليه من خلال الإجراءات القانونية أو الإدارية، وفق الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات.
وأكدت أن استهداف الناشطين والناشطات يمثل رسالة تخويف موجهة إلى المجتمع المدني بهدف تقليص دوره في الحياة العامة، مشيرة إلى أن هذه الإجراءات قد تؤثر بشكل مباشر في مكاسب حقوق النساء والحريات المدنية التي تحققت خلال السنوات الماضية.
وعلى المستوى الدولي، تنص المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، ومنها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، على ضمان حرية التعبير وحرية التجمع السلمي وحرية تكوين الجمعيات، وتؤكد الأمم المتحدة أن هذه الحقوق تعد جزءاً أساسياً من النظام الديمقراطي، وأن حماية المدافعين عن حقوق الإنسان تمثل التزاماً قانونياً على الدول.
وتشير تقارير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة إلى أن المدافعين عن حقوق الإنسان في مختلف أنحاء العالم يواجهون تحديات متزايدة، منها الاعتقالات التعسفية والضغوط السياسية والقانونية. وتدعو هذه التقارير الحكومات إلى ضمان بيئة آمنة لعمل المجتمع المدني واحترام حقوق النشطاء في التعبير والتنظيم دون خوف من الملاحقة.
في ظل هذه التطورات، يواصل المجتمع المدني التونسي والمنظمات الحقوقية الدولية متابعة قضية الناشطات الموقوفات، مع دعوات متزايدة لاحترام حرية التعبير والعمل المدني وضمان استقلال القضاء وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان، وتؤكد هذه المنظمات أن مستقبل الحريات في تونس سيظل مرتبطاً بمدى قدرة المؤسسات على حماية الفضاء المدني وضمان مشاركة المجتمع المدني في الحياة العامة.











